ابن يعقوب المغربي
369
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
أنا قلت هذا ، فلا يتحقق فرق بينه وبين أنا ما قلت ، هذا وقد تقدم أن الحق وجود الفرق بينهما ، وقد يجاب بأن الظرف يتوسع فيه أكثر من غيره ، فلا يضر الفصل به ، أو أن الاستعمال جاز بالفرق بين نحو : ما أنا قلت هذا ، مع أنا ما قلت هذا ، بخلاف لا فيها زيد ، وفيها لا زيد ، نعم الاعتبار السابق يناسب هنا - أيضا - بأن يقرر النفي كأنه لقول القائل - مثلا - في خمور الجنة غول ، فقيل : لا فيها غول ، أي : ليس الغول فيها ، مع أنه كائن في غيرها ، على حد ما أنا قلت هذا ، أي : لم أقله ، مع أنه مقول ، ويكون هذا المعنى مطابقا لما تقدم من أن الغرض إفادة النفي المقصور ، لا إفادة نفى القصر ، ثم إن في الكلام بحثا من وجهين أحدهما : أنا لا نسلم أن تقديم الظرف لإفادة القصر هنا ؛ لأن إفادة القصر في نحوه مقيد بأن يصح الابتداء بدون التقديم - على ما يأتي - والنفي حيث جعل للعدول في المحمول لا يسوغ الابتداء بالنكرة ، والجواب أن التنوين في غول للتنويع ؛ فيفيد صحة الابتداء ، ويرد التقديم حينئذ للحصر ، وإن جعل في جانب المسند إليه فهو في تأويل المضاف ، فيفيد أيضا ، وأما الجواب بأن المسند إليه مصدر يصح الابتداء به ، فمردود بأن المصدر الذي يصح به الابتداء مخصوص بالدال على الدعاء كسلام على آل فلان ، أو التعجب . وثانيهما : أن القصر فيما إذا جعل الكلام من باب العدول ، إما أن يكون قصر أفراد ، أو قصر قلب وفي معناه قصر التعيين ، فإذا جعل قصر أفراد ، والفرض أنه من قصر الموصوف على الصفة ، وجعل السلب من جانب الموضوع ، كان المعنى كما تقدم أن عدم الغول مقصور على الاتصاف بكونه في خمور الجنة لا يتعداه إلى الاتصاف بكونه في خمور الدنيا - . كما عليه المخاطب - فيكون كلاما مع من اعتقد أن نفى الغول كان في خمور الجنة ، إلا أنه يعتقد مشاركة خمور الدنيا لها في عدم الغول ، ولا يخفى - كما تقدم - أن الظاهر أنه كلام مع من يعتقد الغول في الخمرين ، لا مع من يعتقد نفيه فيهما ، ولو لزم من نفيه عن إحداهما دون الآخر نفى ثبوته لهما معا - كما يعتقد المخاطب - لكن الدلالة على ذلك لزومية خفية فلا ترتكب ؛ لأن المتبادر من العبارة أن القصد خلافها ، وإذا جعل قصر قلب كان المعنى أن نفى الغول مقصور على وصفه بكونه في خمور الجنة فقط ، لا يتعدى ذلك إلى